الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

498

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

فطر الناس عليها ) 30 : 30 ( 1 ) فتأمّل تعرف إن شاء اللَّه . وكيف كان فإدمان الذكر الحقيقي هو مشاهدة التوحيد الحقيقي المترتّب على معرفة النفس ، وهذا حاصل لهم عليهم السّلام بنحو الأتمّ الأكمل وبلوازمه ، فلا محالة هم عليهم السّلام مدمنون له على اختلاف مراتبه ، وعلى اختلاف معاني الإدمان من الإدامة ، التي هي عدم ترك شيء تارة ، والملازمة له أخرى ، والمسابقة والمبادرة إلى ما يراد منه من الأعمال الصالحة ثالثة ، والمواظبة على أفعاله رابعة ، وكيف كان فهم السابقون إلى الخيرات ، بل هم القادة السابقون إلى أعلى الدرجات ، وقد تقرّر حينئذ أنّهم عليهم السّلام لا يغفلون عن ذكر اللَّه أبدا ، لمكان حضورهم لديه تعالى ، ولمكان ظهوره تعالى بهم ولهم . وذلك لما علمت أنّ لهم عليهم السّلام مقام العندية للَّه تعالى بحيث لا يصل إليهم أحد ، ولا يدانيهم خلق ، فهم المديمون والملازمون والمواظبون لذكر اللَّه تعالى ، بل المستفاد ممّا تقدّم من أنّ لهم مقام العندية لديه تعالى ، أنّ مقامهم فوق مقام الذكر والذاكرين ، فإنّ قوله عليهم السّلام في حديث مفضل السابق : " فنحن الذين عنده " يدلّ على أنّهم مصداق حقيقي لقوله تعالى : ( ومَن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون . يُسبّحون الليل والنهار لا يفترون ) 21 : 19 - 20 ( 2 ) ، فهم حينئذ حقيقة الحضور وحقيقة الذكر . فهم بهذا اللحاظ أصل كلّ خير في عالم الوجود وفرعه المنتشر في الخلق كما سيأتي بيانه ، وهذا الحضور والذكر الحقيقي الذي هو حقيقتهم على الحقيقة هو مقام وأمر فوق تمام الأمور ، ومنشأ لعبادتهم حق العبادة ، ومنشأ لجميع شؤونهم ، بل لجميع شؤون أولياء اللَّه تعالى من النبيّين والصدّيقين وغيرهم ، وإليه يشير قوله عليه السّلام كما في الكافي : " وما يضمر النبيّ أفضل من اجتهاد المجتهدين ، فإنّ ما يضمره هو ذلك الحضور والظهور الربوبي ، الذي منشأ كلّ خير ، وفيض كلّ مستفيض ، ولا يكون

--> ( 1 ) الروم : 30 . . ( 2 ) الأنبياء : 19 - 20 . .